أخر الاخبار

"أم الشامة والغجرية" رواية مسلسلة للكاتب رضا الأرشندواي "1-13"

كتب : رضا الارشنداوي
رواية أم الشامة والغجرية
رواية أم الشامة والغجرية

تنشر "بوابة القاهرة" حلقات رواية الكاتب رضا الأرشنداوي، "أم الشامة والغجرية"، التي تدور فصولها في الزمن المصري الجميل، أيام كانت المرأة المصرية تقوم بدورٍ رائدٍ في بناء الأسرة المصرية والحفاظ عليها.



                                             الحلقة الأولى


1)فـص ملــح

فى إحدى قرى مديرية القليوبية -- كلمة مديرية حلت محلها كلمة محافظة الآن --  وفى أواخر الاربعينيات من القرن الماضى حدثت قصة أغرب من الخيال لسيدة تدعى أم الشامة ، وهو إسم الشهرة لسيدة أسمها الحقيقى "سعدية" وكانت هذه القرية مثل معظم القرى المصرية فى ذلك الوقت يعيش أهلها فى منازل مبنية بالطوب اللبن – طوب يصنع من الطين والتبن – وكانت هذه المنازل مسقوفة بجذوع النخيل وجريده – السعف – وكان أهل القرى يعيشون فى ظروف قاسية يسيطر عليها الجهل والمرض والتخلف والفقر الشديد ، وفى المقابل كانت توجد قلة من الناس تمتلك الأراضى الزراعية المعروفين بالإقطاعيين إلى جانب رأسمالية مستغلة ومستبدة تعرف بإسم الباشوات والبكوات والأفندية وهم المستحوذون والمسيطرون على كل شئ فى مصر وغالبية الشعب المصرى يعانى من الظلم ومرارة العيش وأسرة الرشيدى كمعظم الأسر المصرية عانت الأمرين فى ظل ظروف شديدة الصعوبة ولكن مع الإصرار والأمل فى الحياة والإيمان بالله استطاعت هذه الأسرة التغلب على مصاعب كثيرة مرت بهم وصبر أفرادها وتحملوا قسوة الحياه حتى وصلت سفينتهم إلى بر الأمان .

فى هذه القرية كانت أسرة الرشيدى – الجد الأكبر لأم الشامة – تجارتهم بيع الملح المعروف فى ذلك الوقت بالملح الرشيدى – نسبة إلى مدينة رشيد – وكانت تجارة الملح الرشيدى من السلع التى عليها إقبال كثير لإستخدامه فى أغراض كثيرة – إلى جانب استخدامه ملح للطعام – مثل صناعة السردين و الفسيخ  وتمليحه وتجفيف جلود المواشى لإستخدامها فى صناعة الاحذية ، وكذلك صناعة المخللات ، ويأتى الملح من المدن المطلة على شواطئ البحرين ، البحر الأحمر والبحر المتوسط ، وأنتشرت تجارة الملح وعرف بالملح الرشيدى نسبة إلى مدينة رشيد وكان بيع الملح الرشيدى هو مصدر الرزق الوحيد لأسرة الرشيدى ، وكانت منتشرة فى ذلك الوقت أغنية شعبية يقول مطلعها " إدلع يارشيدى على وش المية ....... سيب شعرى وامسك ايدى على وش المية ....... ادلع ..... ادلع " وكان هذا المطلع الغنائى يستخدمه كل من يبيع الملح للمناداة على الزبائن من الرجال والنساء والأطفال ، كما أن اسم رشيد كان يعرفه معظم أفراد الشعب المصرى من الاسكندرية لأسوان لأن أهالى رشيد استطاعوا هزيمة الحملة الصليبية على مصر من جهة المنصورة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا فى فبراير 1250 ميلادية وتم أسر لويس التاسع ملك فرنسا فى دار بن لقمان برشيد وأظهر أهالى رشيد دور بطولى فى القضاء على هذه الحمله وكان لنساء رشيد دور كبير فى القضاء على هذه الحملة .

وأنجب الرشيدى عدد كبير من البنين والبنات منهم ابنه عبد الحفيظ وتزوج عبد الحفيظ من أم السعد وانجب عدد كبير من البنين والبنات – ستة من الذكور وستة من الاناث – وكان الرشيدى حافظاً للقرآن الكريم وكان دائماً على حرص تام لجعل أبنائه وبناته يحفظون القرآن الكريم وكانت وصيته لهم دائماً إحفظوا القرآن الكريم وأجعلوا ابنائكم يحرصون على حفظ القرآن الكريم بنين وبنات ، وحفظ عبد الحفيظ القرآن الكريم حتى يكون قدوة حسنة أمام أبنائه ، وعاش الرشيدى أكثر من تسعين عاماً هو وزوجته ست الحسن ، وكانت القرية كلها والعزب والقرى المجاورة تعرف عن أسرة الرشيدى بانها من الأسر المعمرة كثيرة الانجاب للبنين والبنات رغم فقرهم الشديد وكان معروف عنهم بحفظهم القرآن الكريم والصدق والأمانة ، وتزوج عبد الحفيظ من أم السعد وكانت زوجة صالحة مساعدة لزوجها فى بيع الملح الرشيدى وكانت تخرج معه على العربية الكارو .

"- ينطقها الفلاحون الكرلو- " التى يجرها حمار هزيل لبيع الملح فى القرية والعزب والقرى المجاورة لقريتهم ، إلى جانب تربيتها لأولادها حيث كانت أم السعد ولادة فأنجبت ستة من الذكور وستة من الاناث هم الرشيدى على اسم الجد الكبير الرشيدى - عادة مصرية يسمى الابن الأول على أسم الجد – وراشد وراضى وعلى وعمر وعمران ، والاناث رشيدة ، سعدية (أم الشامة) ، حميدة ، حسنات ، حسنية ، زينب ، وكانت رشيدة وسعدية (أم الشامة) توأم متشابه تماماً فى كل شئ لدرجة أنه يصعب التفريق بينهم ولكن سعدية كان يميزها حسنة على خدها الأيمن تزيد وجهها جمالاًً وحسناً وكانت الحسنة - الشامة - غريبة الشكل ومميزة ، ولذلك عرفت سعدية بأم الشامة وكان ينطقها أهل القرية أم شامة بحذف الألف واللام لسهولة النطق وكانت أم الشامة لها صوت جميل فى الغناء والمناداة على الملح الرشيدى ، كما أنها حافظة للقرآن الكريم وتجيد القراءة والكتابة من حفظها للقرآن الكريم حيث أن عبد الحفيظ كان حريص على وصية أبيه الرشيدى بان يجعل كل أولاده بنين وبنات أن يحفظوا القرآن الكريم ، لأن التعليم فى المدارس فى ذلك الوقت غير متاح لأبناء القرى خاصة الفقراء منهم حتى فى القرى التى كان يوجد بها مدرسة إلزامية للتعليم الابتدائى لايذهب إليها إلا القادرون وكانت أسرة عبد الحفيظ من الأسر الفقيرة واكتفوا بحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة فى كتاب القرية ، ورغم ظروف المعيشة الصعبة مع كثرة عدد الأولاد تحمل عبد الحفيظ وزوجته أم السعد تعب الحياه وصعوبتها وقسوتها حتى يعطوا الفرصة لأبنائهم حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة وعرف عنهم الأمانة فى تجارة الملح الرشيدى ، وكان البيع والشراء فى ذلك الوقت بالمليم والتعريفه والقرش وهى العملة التى كان يتعامل بها أغلبية الشعب المصرى الفقراء  ولم يكونوا يرون العملات الكبيرة مثل الجنيه والخمسة جنيهات والعشرة جنيهات فما بالك بالورقة أم مائة جنيه وهى العملات التى كان يعرفها الباشوات والبكوات والأفندية ، وكان يتم بيع الملح بالقدح – مكيال للبيع – وكان أحياناً يبيع الملح عن طريق المقايضة بالبيض ، حبوب القمح أو الذرة وكان عبد الحفيظ وزوجته شديدى الحرص على أن يوفوا الكيل والميزان واتباع الأمانة والصدق فى البيع ، وهذا ما حرص عليه عبد الحفيظ أن يورثه لأبنائه حتى يبارك الله لهم فى الرزق والصحة وكان الله كريم مع عبد الحفيظ لصدقه وأمانته ففتح عليه وأصبح يملك خمس عربات كارو  "- ينطقها الفلاحون الكرلو- " بخمسة حمير عكس والده الرشيدى الذى ورث عبد الحفيظ عربية كارو واحدة وحمار هزيل ، وتعلم جميع أولاد عبد الحفيظ بنين وبنات نفس الصفات الحسنة من والدهم ووالدتهم ومراعاة حدود الله فى البيع والشراء كما كانوا من الأبناء البارين بأبائهم ، وعاش عبد الحفيظ وام السعد عمر طويل فى منزلهم الريفى البسيط المبنى من الطوب اللبن والمسقوف بجذوع النخيل وجريده ، وكان عبد الحفيظ عندما تقدم فى السن قام بتوزيع العمل على أولاده الأثنى عشر فجعل كل ولد وبنت على عربة كارو يخرجون يومياً من السابعة صباحاً ويعودون آخر اليوم ويبقى ولد وبنت فى البيت لمساعدة الأم فى أعمال المنزل وحدد لكل عربة كارو خط سير يومى حتى لايجور أحد من الأبناء على غيره أثناء البيع فالرشيدى مع سعدية (أم شامة) الجهة البحرية وراشد ورشيدة الجهة القبلية ، وراضى وحميده الجهة الشرقية ، وعلى وحسنات الجهة الغربية ، وخصص البيع فى قريتهم لعمران وزينب حتى يكون عمران وزينب على مقربة منهم فى القرية ويتبقى عمر وحسنية فى المنزل على أن يتم استبدالهم لأى مرض يصيب أحد من أبنائه أو بناته وكان هذا أشبه بتوزيع عمل تجارى قائم على أساس علمى سليم وهذه عادة حميدة عند سكان أهالى القرى بالنجاح دائماً فى أعمالهم ، كما حرص عبد الحفيظ أن يحسن من تربية أبنائه وان يكونوا متعاطفين ، متحابين بين الناس وبين أنفسهم وأن تكون صلة الرحم قوية بينهم ، كل هذا الفكر لدى عبد الحفيظ من حفظه للقرآن الكريم .

إعتاد أبناء عبد الحفيظ السعى على رزقهم منذ شروق الشمس حتى الغروب ، وظلوا على هذا الحال سنين طويلة راضين بالرزق اليومى ، حامدين لربهم على ما أعطاهم من رزق يومى – رزق يوم بيوم – وكان لكل واحد منهم ما يعرف الآن بخط سير لايخالفه ولايخرج عنه ولايجور على رزق أخيه ، حتى لايحدث بينهم خلاف فى يوم من الأيام ، وبذلك زادت المحبه والتعاطف بين أبناء عبد الحفيظ بنين وبنات وبرهم بوالديهم وكبر الأبناء وأصبحوا فى سن الزواج وتقدم سعيد جار عبد الحفيظ للزواج من أم الشامة ، وكان سعيد يعانى الفقر مثل معظم سكان الريف ولكنه كان شاب مكافح يكسب رزقه اليومى من صناعة الطواقى من صوف الأغنام ووبر الجمال وكانت حرفة صناعة الطواقى رائجة فى هذه الفترة من الزمن – قلت الآن – حيث كان لبس الطاقيه من علامات رجولة الفلاح المصرى وكان يعرف الفلاح المصرى بلبسه للطاقيه كما كان يعرف عن الباشوات والباكوات والأفندية لبس الطربوش الاحمر أبو زر وكان يعرف ان هذا فلاح غنى وهذا فلاح فقير من نوع الطاقيه التى يرتديها ودرجة ونوع الصوف والوبر المصنوعة منه الطاقية.


أ.ع
 

تعليقات الفيسبوك

تعليقات الموقع

اضف تعليق

لا توجد تعليقات على الخبر

أخبار ذات صلة

إستطلاع الرأى

هل تؤيد قرار وزير الأوقاف بمنع صلاة التراويح في رمضان بمكبرات الصوت؟

!

الأكثر قراءة