أخر الاخبار

كتاب "شبكة التصوف في أبوظبي..وخطرها على أمن المملكة العربية السعودية" (الحلقة الثالثة)

كتب : بوابة القاهرة
غلاف كتاب شبكة التصوف في أبو ظي
غلاف كتاب شبكة التصوف في أبو ظي

منتدى السلم الأهلي بأبوظبي يهاجم الدعوة السلفية.. و الصحافة الإمارتية تنشر تصريحات تنسب الحركات التكفيرية إلي الإمام محمد بن عبد الوهاب

تحفظات سعودية تم إبلاغها لأبوظبي بشأن حملات إعلامية منظمة تروج للأزهر كمرجعية وحيدة للإسلام.. وهدفها تهميش الدور الديني للمملكة وضرب الأسس السلفية التي قام عليها النظام السياسي السعودي

خلاف بين الرياض وأبوظبي بسبب "التصريحات العدائية " ضد المرجعية الدينية في المملكة .. والتهجم السافر على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

الرياض منزعجة من تلميع أبوظبي لرموزٍ صوفية أزهرية مثل أحمد الطيب وعلي جمعة و حبيب الجفري.. وتقديمهم كنموذج فريد للتدين السمح في مواجهة الفكر السلفي

تشكيل "مجلس حكماء المسلمين " يخلو من أي شخصية معتبرة خارج الإطار الصوفي الأزهر.. و أبوظبي استبعدت كبار علماء السعودية!!


أبوظبي ترى أن علماء السلفية متشددون ويعملون على اختطاف التدين.. وحصرت الموقف الرسمي لمجلس "الحكماء " في أزهريين مناوئين للسلفية


حملة تلميع شيخ الأزهر فى الإمارات جاءت على حساب شخصيات دينية مثل مشايخ المغرب الذين فوجئوا باستبعادهم من عضوية " مجلس الحكماء "
"المجلس" أطلق على أعضائه صفة " الحكمة ".. ولذلك يجدر تذكيرهم بأنه لا يمكن تحقيق مرجعية شاملة للمسلمين من خلال مجلس منغلق على نفسه يعمل على إقصاء مخالفيه ولا يتمتع بالاستقلالية


ماذا يريد محمد بن زايد ولى عهد أبوظبى، والحاكم الفعلي لدولة الإمارات، من المملكة العربية السعودية ؟
 
لماذا يُـظهر عكس ما يُبطن تجاه المملكة.. ما سر أزمته معها.. وكيف بدأت.. وما تفاصيل الاتفاقية الحدودية بين البلدين التى لا تبارح خياله؟
 
ما حقيقة مشاعره تجاه الفكر الوهابي.. ووصف  الوهابية ب"اليهودية" هل كانت  زلة لسان أم موقف رسمي؟

ثم لماذا تحشد أبوظبي الصوفية ضد الحركات الإسلامية ؟

هذه الأسئلة وكثير غيرها، يكشف عنها كتاب " شبكة التصوف في أبوظبي .. وخطرها على أمن المملكة العربية السعودية" الذي أصدره موقع شؤون اسلامية ، المتخصص في نشر الفقه السني الحنيف و مواجهة عمليات التشيع والتصوف في البلاد السنية.

تفاصيل مثيرة يتضمنها الكتاب، عبر 3 فصول، عن مخطط لضرب السعودية فى مرجعيتها الدينية والفكرية. كما يكشف بالأسماء استدعاء محمد بن زايد لكثير من الشخصيات الدينية، لتأسيس تحالف صوفي عالمي يجاهر أقطابه باستهداف المملكة العربية السعودية ومرجعيتها الدينية على حد سواء.

"بوابة القاهرة" تنشر الكتاب على حلقات، نظرا لأهمية ما تضمنه من معلومات لاستهداف موئل الحرمين الشريفين، والنيل من مرجعية المسلمين السنة على امتداد المعمورة.


فإلى تفاصيل الحلقة الثالثة:

مجلس حكماء المسلمين: دراسة تحليلية في إعلان التأسيس أعلن في مدينة أبوظبي عن تشكيل هيئة دولية مستقلة تهدف إلى تعزيز السلم الأهلي تحت مسمى: «مجلس حكماء المسلمين »، ونص بيان التأسيس الصادر في 21 رمضان 1435ه، الموافق 19 يوليو 2014م، على اعتبار المجلس: «أول كيان مؤسسي جامع لحكماء الأمة الإسامية تنفيذاً لما خرج به المشاركون في منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة » في شهر مارس الماضي، مؤكداً أن: «جسد الأمة الإسلامية لم يعد يتحمل حالة الاقتتال وحدة الاحتراب بين مكونات المجتمعات المسلمة مؤكدين على ضرورة الامتثال إلى نصوص الشرع الداعية إلى اقرار السلم وتأصيل مفهوم السلم وشن الحرب على الحرب .»

لكن كواليس التأسيس تكشف عن مضامين مغايرة لما تم الإعلان عنه، وظهر الفارق جلياً في ارتباك وسائل الإعلام التي نسبت رئاسة المجلس إلى الشيخ عبد الله بن بيه، وعزته أخرى إلى شيخ الأزهر أحمد الطيب، بينما أشارت صحف رسمية إلى أن المجلس برئاستهما معاً!

وظهرت الارتجالية في تحديد أعضاء الهيئة التأسيسية؛ إذ غابت المؤسسات الدينية الرصينة واقتصرت العضوية على شخصيات منتقاة من توجه محدد، وبدا الاستعجال في نص القرار الذي ورد فيه: «تحدد بقية الأعضاء بما لا يزيد على 40 عضواً !»

وبالإضافة إلى استبعاد علماء الشام والعراق ودول الخليج العربية واليمن والمملكة المغربية؛غابت أسماء كبيرة من مؤسسي منتدى السلم الأهلي كوزير الأوقاف المغربي ورئيس جامعة القرويين وأعضاء الرابطة المحمدية الذين كان لهم دور بارز في صياغة البيان الختامي للمنتدى، لكنهم استثنوا بالكامل في تشكيلة «مجلس الحكماء »، ولا شك في أن تعيين موريتاني رئيساً للمجلس كان له دور في إثارة حساسية المغرب التي لم تحظى بأي تمثيل فيه، خاصة وأن هناك جهات تعمل على ضرب الزعامة المغربية للتصوف في شمال أفريقيا.

فقد أطلقت موريتانيا فعاليات الإحياء الرمضاني لسنة 1435ه بالقصر الرئاسي، وركزت كلمة الافتتاح التي ألقاها أحمد ولد أهل داوود المستشار برئاسة الجمهورية على التصوف مرجعية ثقافية وفكرية للشناقطة، بالتزامن مع تبني نواكشوط خطة دعوية في البلدان الإفريقية لاستعادة المجال الثقافي لعلماء شنقيط.

ولذلك فإنه لم يكن من المفاجئ أن يدشن «مجلس الحكماء » نشاطه في غرة شهر أغسطس 2014 بحضور حفل تنصيب الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، ضمن وفد يترأسه عبد الله بن بيه، علماً بأن بيان تأسيس المجلس قد شدد على استقلاليته عن أي سلطات سياسية.

من يحسم معركة الاستحواذ؟

وتأتي تحركات الشيخ بن بيه ضمن التنازع القائم بين أقطاب منتدى السلم الأهلي على الهيمنة والاستحواذ؛ إذ يتردد الحديث في الأوساط المصرية أن مشيخة الأزهر قد هيمنت على تشكيلة المجلس واستبعدت جميع الشخصيات المؤثرة التي يمكن أن تنافس أحمد الطيب.

جدير بالذكر أن سبعة من أعضاء المجلس الأربعة عشر هم خريجو جامعة الأزهر، ويتبوأون في الوقت ذاته زعامة طرق صوفية في مختلف بلدان العالم الإسامي وبالأخص منهم النيجري إبراهيم الحسيني، وأبو لبابة المعروف في الأوساط الصوفية بإفريقيا، وحسن الشافعي الذي اشتهر بكتاباته حول الغزالي وعلم الكلام والتصوف، وعبد الرزاق قسوم الذي حصل على الماجستير في الفلسفة من الأزهر عام 1975، ومحمود حمدي زقزوق، فضلاً عن أحمد الحداد.

ولتأجيج معركة الهيمنة على المجلس عمدت الصحف المصرية إلى إبراز دور شيخ الأزهر باعتباره المؤسس الفعلي؛ حيث عنونت صحيفة الأهرام لخبر تدشين المجلس ) 21 يونيو 2014 بالقول: «شيخ الأزهر يطلق مجلس حكماء المسلمين في الإمارات »، وورد في عنوان صحيفة العرب ) 19 يونيو « :)2014 يتولى شيخ الأزهر الرئاسة الشرفية »، في حين كانت صحيفة الوادي أكثر مسايسة عندما نصت ) 20 يونيو 2014( على أن: «شيخ الأزهر يترأس الاجتماع الأول لمجلس حكماء المسلمين بالإمارات » دون الخوض في متاهات مفهوم ازدواجية الرئاسة.

جدير بالذكر أن شيخ الأزهر قد نجح في تنسيب أعضاء مجمع البحوث الإسامية بالأزهر في تشكيلة «مجلس الحكماء »، حيث منح في شهر أبريل الماضي كلاً من: عبد الله بن بيه وأبو لبابة الطاهر وعبد الرزاق قسوم عضوية مجمع البحوث بالأزهر تحت رئاسته، ثم عمل على تضمينهم في قائمة مجلس الحكماء بعد ذلك بشهرين.

التبعية السياسية: نفي وتأكيد!

على الرغم من تأكيد بيان مجلس «الحكماء » على: «التجرد من أية عوامل ذاتية تجعل أعضاء المجلس طرفا في أي صراع سياسي أو ديني أو عرقي » إلا أن المجلس قد بادر إلى ترجيح الكفة السياسية للدولة المضيفة على حساب الدول الأخرى.

فقد كال بيان التأسيس المديح للدولة المضيفة فيما يتعارض مع مفهوم الاستقلال؛ وورد في تصريح شيخ الأزهر خلال المؤتمر الصحفي قوله: «حسناً ما أقدمت عليه دولة الإمارات العربية المتحدة حيث تنبهت للأخطار المحدقة بالأمة من داخلها وخارجها، وتيقظت للآثارالمدمرة التي يمكن أن تأتي على هذه الأمة من الجذور، فهدتها العناية الإلهية إلى فكرة مجلس حكماء المسلمين والذي نجتمع لإطلاقه بصورة رسمية .»

وإذا كانت «العناية الإلهية » هي مصدر إلهام الدولة في تأسيس المجلس؛ فإن دعمها وتمويلها هو عنصر البركة للأمة الإسامية بأسرها وفق تصريح أحمد الحداد الذي نقلت الصحف قوله: «إن اختيار أبوظبي مقرًا لمجلس حكماء المسلمين هو مفتاح الخير والبركة للأمة الإسامية وإنشاؤه برعاية دولة الإمارات ودعم قيادتها الرشيدة برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله يدل على أن المجلس سيكون له الأثر الفعال لتوفر عاملين له، هما: المقر والدعم اللذين سيحققان له إمكانية التوسع والانتشار .»

وتمثل مشكلة تعارض تصريحات «الحكماء » مع ما تنشره الصحافة الرسمية المعضلة الأكثر إلحاحاً في قياس مصداقية البيانات الصادرة عن المجلس؛ فقد نقل موقع ميدل إيست أون لاين ) 19/ 7/ 2014( عن عبد الفتاح المنيعي الباحث في مركز المزماة للدراسات في دبي قوله: «إن أهمية تأسيس هذا المجلس تنبع من وظائفه التي ستحقق في النهاية عدة أهداف غاية في الأهمية سواء بالنسبة لدولة الإمارات أو الأمة العربية على الصعد الفكرية والسياسية والإستراتيجية » )!( وأوردت الصحافة الرسمية وشبه الرسمية تأكيد باحثين إماراتيين أن المجلس: «سوف يسحب البساط من تحت أقدام الإسام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين والحركات التكفيرية وسيعريها أمام عامة المسلمين ويفضح أهدافها وضحالتها العلمية »! )ميدل إيست أون لاين 19/ 7/ 2014(، مما يتنافى مع مفهوم الاستقلالية التي أكدها بيان التأسيس.

واستمرارًا في نسق «سحب البساط » و »التعرية »، يضيف الباحث بمركز المزماة: «أهم وظيفة لهذا المجلس هو سحب البساط من تحت أقدام الحركات والأحزاب والتنظيمات التي تسيس الإسام »، مضيفاً: «هذا المجلس سيعري بطريقة ضمنية من خلال عمله الوسطي المعتدل ما يسمى اتحاد علماء المسلمين والذي شكله الإخوان المسلمون من عناصر حزبية تحت إشراف رئيس الاتحاد يوسف القرضاوي وبدعم من حكومة قطر لخدمة أهداف الإخوان المسلمين وإصدار الفتاوى الجاهزة الداعمة لوجهة نظرهم .»

تفكك المجلس في المراحل المبكرة من تأسيسه بمجرد الإعلان عن التوليفة الغريبة للمجلس؛ بدأت مرحلة جديدة من التنافس بين الرئيسين للانفراد بالمنصب؛ حيث شد ابن بيه الرحال إلى نيويورك مروجاً لمشروع الإمارات في مواجهة التطرف في اللقاء الذي نظمته اللجنة الأممية لمكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن الدولي في 30 سبتمبر 2014، وعزز فرقعته الإعلامية المتمثلة في «استشهاد » الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأحد أقواله بإجراء مقابلة مع قناة « سي إن إن » أعلن من خلالها أنه: يفتي بالحياة ولا يفتي بالقتل .»

أما «الإمام الأكبر » فقد حلّق في آفاق العولمة من خال فعاليات كأس العالم في البرازيل )!(ليرسل رسالة يتحدث فيها باسم المسلمين كافة، وعزز ذلك بمحاولة احتواء مرجعية الحرمين الشريفين » من خلال منح الملك الراحل عبد الله عبد الله بن عبد العزيز شهادة الدكتوراه الفخرية: «لمواقفه الشجاعة مع مصر »، وهي المبادرة التي باركها الرئيس عبد الفتاح السيسي بقرار جمهوري يوم الخميس 28 أغسطس 2014 .

وفي ظل السباق المحموم بين ابن بيه والطيب للاستئثار برئاسة المجلس؛ أعلن بعض أعضاء الهيئة التأسيسية للمجلس انسحابهم منه، فيما توارى البعض الآخر رغم الأحداث التي هزت العالم الإسلامي والتي كان الهجوم على غزة من أشدها وطأة.

وإذا كان الشيخ عبد الله قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد انتظر أربعة أشهر ليعلن للجزائريين أنه: «تعرض لخدعة » عندما دعي إلى مجلس حكماء المسلمين؛ فإن عدم حضور عبد الحكيم شيرمان جاكسون، وعبد الله نصيف، والأمير غازي بن طال، والقاضي محمد تقي الدين العثماني الاجتماع الأول للمجلس الذي عقد في القاهرة يوم 30 أكتوبر 2014 يثير أكثر من سؤال.


ورأى بعض المتابعين أن غياب الأعضاء من: السعودية، وأمريكا، وباكستان، والأردن، والجزائر من المجلس في اجتماعه الأول؛ يضيف إخفاقاً جديداً في مسيرته المتعثرة التي قاطعها علماء المغرب العربي مؤثرين الاحتفاظ بنفوذهم لدى مسلمي جنوب إفريقيا، خاصة وأنهم قد قطعوا شوطاً كبيرًا في مجال التمسك بالخصوصيات المحلية.
وكان من سوء طالع متصوفة أبوظبي رفض زعماء الطريقة النقشبندية في بلدان «أوراسيا مشروع «طابة » المرجعي؛ حيث سارع الدكتور محمد غورمز رئيس المؤسسة الدينية التركية إلى لمهم في مشروع تركي رديف أعلن عنه قبل يومين من إعلان مجلس أبو ظبي.

أما التدهور الأكبر في الاجتماع فقد تمثل في انفراد «الإمام الأكبر » برئاسته وخروج ابن بيه الذي كان قد نُصّب قبل ثلاثة أشهر شريكاً للطيب في سدة الرئاسة؛ وبعد أن كانت عبارات البيان الصادر عن الاجتماع تمتح من نَفَسِ العلامة الشنقيطي، رأسُ فكرة مجلس الحكماء » ومهندسها، عُقِدَتِ الرئاسة بالإجماع للطيب الذي انهالت عليه تهاني رجاله وأعوانه بدءاً بالدكتور شوقي عام مفتي جمهورية مصر، والدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري، والدكتور عبد الحي عزب رئيس جامعة الأزهر، بينما خفتت أصوات المؤسسين في أبو ظبي، وعكست الصحف المصرية نشوة الأزهر بتمكنه من حيازة رئاسة هيئة عُلمائية قد تعيد ترميم صورة مشيخة الأزهر الذي ولغ أقطابه في الاستقطاب السياسي وتجاذباته، وذلك بالتوازي مع مشروع ترميم جامع الأزهر بأموال سعودية.

وبينما ينتظر المراقبون كشف الطيب عن لائحة أعضاء المجلس الجدد لتعويض النقص، تتزايد وتيرة التساؤلات حول جدوى نفي الأعضاء التسعة المتبقين عن أنفسهم تهمة الانحياز السياسي وهم يراوحون بين طموحات الطيب لفرض مشيخته احتكار المرجعية الإسلامية وبين جهود الفريق الإماراتي في تعضيد سياسة بلدهم الخارجية بجهاز ديني هجين لمواجهة المرجعيات الفاعلة في العالم الإسلامي.


«مجلس الحكماء »: البيئة المنغلقة وتحديات الانفتاح

أثار إعلان تأسيس «مجلس حكماء المسلمين » في أبوظبي ) 19 يوليو 2014( تساؤلات عديدة حول نية القائمين عليه تشكيل قيادات دينية بديلة، مما اضطر شيخ الأزهر أحمد الطيب ورئيس منتدى السلم الأهلي عبد الله بن بيه للتأكيد على أن المجلس «لا يمثل بديلاً للأزهر »وذلك في الرد على الأصوات المعترضة على تشكيل كيان ينافس المرجعيات الدينية التقليدية في العالم الإسلامي.

وعلى الرغم من تلك التأكيدات فقد تعالت الأصوات المنتقدة لتشكيلة المجلس الذي يهيمن عليه شخصيات أزهرية ذات توجه صوفي، وتردد الحديث عن تشكيل جبهة «إسلامية وسطية » لمواجهة الفكر السلفي، حيث سارت تشكيلة «مجلس الحكماء » على نسق «منتدى السلم الأهلي » الذي قدمت فيه أوراق هاجمت الدعوة السلفية بصورة خاصة ونشرت الصحافة الرسمية تصريحات تتضمن تجنياً على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ونسبة الحركات التكفيرية إليه.

وعلى إثر النشاط المحموم الذي تبذله أبوظبي للترويج للمجلس؛ أبدت بعض الجهات استياءها من محاولة فرض الأزهر كمرجعية دينية موحدة تمثل «الإسلام السمح المعتدل » حسب تعبير قادة هذه الدولة.

وأفادت المصادر أن الخلاف الجديد يأتي في ظل حالة شحن جراء التصريحات العدائية التي تنشر في صحف الإماراتية، موضحة أن هناك تحفظات سعودية تم إبلاغها لأبوظبي بشأن حملات إعلامية منظمة تروج للأزهر كمرجعية وحيدة للإسلام وبما يقتضي تهميش الدور الديني للمملكة العربية السعودية وضرب الأسس السلفية التي قام عليها النظام السيا سي في المملكة.

وقالت المصادر ذاتها إن الرياض أبدت انزعاجاً من تلميع أبوظبي لرموزٍ صوفية أزهرية كشيخ الأزهر أحمد الطيب ومفتي مصر السابق علي جمعة واليمني حبيب الجفري وتقديمهم في وسائل الإعام كنموذج فريد للتدين السمح في مواجهة الفكر السلفي الذي تنسب إليه حركات التطرف والغلو في العالم الإسلامي، وتكررت نبرة السخط هذه في تغريدات صادرة عن رجال دين مرموقين في المملكة العربية السعودية.

وكانت صحيفة «الخليج » الإماراتية قد دعت في افتتاحيتها )يوم 17 يونيو 2014( إلى أن يكون الأزهر هو المرجعية الدينية الوحيدة، قائلة: «إن تجديد الخطاب الديني إلى السمح المعتدل الذي يقبل الآخر هو مسؤولية الجميع؛ أنظمة وحكومات ومؤسسات ومراكز دينية، وفي المقام الأول هو مسؤولية الأزهر الشريف كمنارة دعوية وفكرية وثقافية إسامية في صياغة خطاب إسلامي موحد ومعتدل، ووضع حد للمتطفلين على الدين .»

وكان اللافت في تشكيل «مجلس الحكماء » خلوه من أي شخصية معتبرة خارج الإطار الصوفي-الأزهري، وأشار موقع المثقف الجديد ) 25/ 7/ 2014( إلى أن أبوظبي استبعدت كبار علماء السعودية لأن الفتوى السلفية في المحاور المتعلقة بالسلم غير مرضية لهم، حيث ترى أبوظبي أن علماء السلفية متشددون ويعملون على اختطاف التدين، فما كان منها إلا أن حصرت الموقف الرسمي لمجلس «الحكماء » في أزهريين مناوئين للسلفية.

لكن عملية الإقصاء لم تقتصر على العناصر السلفية؛ بل استبعد المجلس علماء الدين في العراق وفي سوريا واليمن ودول الخليج العربي )باستثناء أبو ظبي(، والمملكة المغربية وغيرها من الدول التي تحفل بشخصيات إسلامية ومؤسسات دينية عريقة، ولا شك في أن الاقتصار على لون واحد من الطيف الإسامي الواسع ونسبتهم إلى «الحكمة » دون غيرهم يتعارض مع مفهوم المرجعية الإسلامية الجامعة.

لقد جاء إعلان المجلس في مرحلة حرجة تحتاج الأمة فيها إلى من يجمع شتات المسلمين ويلم فرقتهم على أسس راسخة من الانفتاح ومد الجسور، لكن إعان المجلس التأسيسي بصورته المنغلقة وما صاحبه من حمات إعلامية تنزع إلى الكراهية والتحريض قد خيبت الآمال وضربت مصداقية المجلس في مهده.

فهل غاب عن «الحكماء » ما يمكن أن يسببه الإقصاء والتهميش ومحاولة «فرض » المرجعية من تنازع وشق للصف؟ وهل تستطيع فئة منغلقة على نفسها أن تتحدث بلغة الانفتاح؟

هل ينجح مجلس حكماء المسلمين في تأسيس مرجعية دينية جديدة؟

نص بيان تأسيس مجلس «حكماء المسلمين » في أبوظبي على أن المجلس هو: «أول كيان مؤسسي جامع لحكماء الأمة الإسلامية .»

وأكد البند الخامس من بيان التأسيس نفسه على ضرورة التزام الأعضاء: «بالتجرد من أية عوامل ذاتية تجعل أعضاء المجلس طرفاً في أي صراع سياسي أو ديني أو عرقي .»

كما نص البند السادس من البيان على: «تقوية مناعة الأمة وخاصة شبابها ضد خطاب العنف والكراهية .»

ومن خلال هذه الاقتباسات يمكن تلمس أهم معالم المشروع الذي يتمحور حول تأسيس مرجعية جامعة للأمة الإسلامية، لكن التصريحات الرسمية التي تزامنت مع هذه الفعاليات قد سارت في خط مغاير لهذه المفاهيم؛ حيث هاجم وزير الخارجية عبد الله بن زايد المخالفين لتوجهات المجلس ووصفهم بأنهم: «أشباه العلماء الذين تصدروا مواقع الريادة ومنابر الفتوى واحتلوا وسائل الإعام المتنوعة واستخفوا رهطاً من الناس فانساقوا خلفهم دون وعلي ولا دراية »، مختتماً حديثه بضرورة: «إعادة الأمة إلى صوابها »! في حين أكد ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد أن المهمة الأساسية لهذا المجلس هي: «مواجهة دعاة الفتن والمحرضين !»

وعلى إثر هذه الحملة التحريضية التي شنها الإعلام الإماراتي ضد التيارات الإسلامية المخالفة لخط أبوظبي؛ باشر أعضاء المجلس الوليد مهمة إخماد اللغط الذي أثارته تصريحات المسؤولين الإماراتيين، حيث بادر الشيخ عبد الله بن بيه إلى الإدلاء بتصريحات للصحافة المصرية أكد فيها أن المجلس لا يطرح نفسه بديلاً لأية مرجعية دينية قائمة، وبأنه لا ينوي سحب البساط من أي هيئة إفتاء أو مجلس ديني في العالم الإسلامي.

 إلا أن هذه التصريحات لم تكن كفيلة بإطفاء الحرائق التي أشعلها إعان المجلس في مختلف بلدان العالم الإسامي، حيث ظهر للوهلة الأولى أن «مجلس الحكماء » لا يعدو أن يكون جبهة صوفية-أزهرية تهدف إلى إعادة تأسيس المرجعية الدينية للأزهر بديلاً للمؤسسات الدينية العريقة في العالم الإسلامي والتي استبعد ممثلوها من عضوية المجلس.

والحقيقة هي أن فكرة حصر عضوية المجلس في التيار الأزهري-الصوفي لم تأت من فراغ، بل كانت أبوظبي تعمل على تلميع هذه المؤسسة وإعادة الاعتبار لها من منطلقات سياسية تتعلق بمشكلة الاستقطاب السياسي الحاد في المنطقة.ففي شهر أبريل 2014 كُرّم شيخ الأزهر عبر اختياره شخصية العام الثقافية في دولة الإمارات، وأكد له ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد: «حرص الدولة على دعم جامع الأزهر كمؤسسة إشعاع حضاري وديني لها تأثيرها الكبير على المستوى العالمي .»

وجاء اختيار شيخ الأزهر كشخصية العام الثقافية لجائزة زايد للكتاب التي تعد أعلى جائزة تمنح ثقافياً في الإمارات باعتباره: «شخصية العالم المسلم الورع الذي يمثل الوسطية الإسلامية البعيدة عن الغلو، والداعية إلى ثقافة التسامح والحوار »، على حد قول محمد خلف المزروعي عضو مجلس أمناء الجائزة.

وأعيد تكريم شيخ الأزهر مرة أخرى في جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم من قبل مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي الذي: «هنأ الطيب على جهوده ودوره الطيب في نشر ثقافة الإسام الوسطي المعتدل الذي يعكس سياسة ونهج الأزهر الشريف منذ نشأته قبل ألف عام ونيف .»

إلا أن حملة التلميع هذه كانت على حساب إقصاء شخصيات دينية أخرى كمشايخ المملكة المغربية الذين ألقوا بثقلهم في منتدى السلم الأهلي وفوجئوا باستبعادهم من عضوية " مجلس الحكماء .»

وأرجع البعض خروج الرباط من تشكيلة المجلس إلى الانتقادات التي أثارتها مشاركتهم بمنتدى السلم الأهلي في الصحافة المحلية، خاصة وأن المملكة المغربية قد تبنت مبادرات مهمة لقيادة الشأن الديني في دول جنوب الصحراء، فأطلقت مشروعاً واسعاً لتدريب مئات الأئمة الأفارقة، وهو الأمر الذي أزعج مؤسسة الأزهر التي سوقت لنفسها خلال الفترة نفسها على أنها المرجعية السنية الأولى في العالم، في حين أن المغرب بمؤسسته التاريخية لا يمكن أن يخضع لمرجعية الأزهر.

وعلى الصعيد نفسه؛ تحدثت مصادر إعلامية عن وجود خلاف بين الرياض وأبوظبي على خلفية التصريحات العدائية التي نشرت في الصحف الإماراتية ضد المرجعية الدينية في المملكة العربية السعودية والتهجم السافر على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب.

وفي الجزائر؛ واجه رئيس جمعية العلماء الجزائريين الدكتور عبد الرزاق قسوم انتقادات في الصحافة المحلية نتيجة مشاركته في عضوية مجلس «الحكماء »، وسألته وسائل الإعلام إن كان قد اتخذ مثل هذا القرار المثير للجدل بصفته الشخصية أم أنه قد قرر الزج بجمعية العلماء المسلمين في معركة استقطاب سياسي غير محمودة العواقب، كما اتهمته مصادر محلية: «بوضع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحت جناح شيخ الأزهر » )الشروق 23يوليو 2014(.

وجاء رد الشيخ قسوم سريعاً على هذه الانتقادات؛ حيث نقلت صحيفة الشروق أونلاين 21 أكتوبر 2014( قوله أن مشاركته في «مجلس حكماء المسلمين »، كانت نتاج «خدعة » تعرض لها، وقال قسوم في لقاء مع الإعلامي قادة بن عمار في برنامج «هنا الجزائر »، إنه دعي إلى مؤتمر للعلماء فإذا به أمام «لقاء سياسي مشبوه .»

أما في تركيا فقد شاب التوتر العلاقة بين مؤسستها الدينية الرسمية مع الأزهر إثر الخطاب الذي أرسله رئيس رئاسة الشؤون الدينية في تركيا محمد غورمز إلى أحمد الطيب شيخ الأزهر )يوم 11 أبريل 2014( ينتقد فيه دور الأزهر إزاء الأحداث التي وقعت بصر آنذاك، وكان مكتب العلاقات العامة في رئاسة المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك، قد أصدر في أغسطس 2013 بياناً أستنكر فيه ما وصفه «العنف الوحشي بحق الشعب المصري .»

وعلى الصعيد نفسه؛ صرح شيخ الإسلام في سائر عموم روسيا طلعت تاج الدين، في 26 مارس 2014 بأن روسيا لا تثق في خريجي الأزهر وأنها منعت بعثات الأزهر.

والحقيقة هي أنه لا يمكن التغاضي عما لحق بمكانة الأزهر من تدهور جراء انخراط مشيخته في معركة الاستقطاب السياسي، والزج بأتباع الطرق في أتون الخلافات السياسية حيث طالب ائتاف الصوفية في مصر نظيره في تركيا بالضغط على أردوغان للتنحي، ودعا الائتلاف أتباع الطريقة النقشبندية للنزول إلى ميدان تقسيم لإسناد حركة العصيان ضد حكومة أردوغان، وبرزت آخر تداعيات هذا التوتر في الدعوة التي أطلقها «الاتحاد العالمي لشباب الأزهر والصوفية » يوم 29 يوليو 2014 مطالباً بقطع العلاقات نهائياً مع تركيا.


وألقت هذه المواقف السياسية بظلالها على سمعة المؤسسة الدينية في مصر كمرجعية دينية مستقلة، مما دفع برئاسة الشؤون الدينية بتركيا إلى عقد مؤتمر عالمي في 17 يوليو أي قبل يومين من إعلان تأسيس مجلس «حكماء » أبو ظبي( بهدف تأسيس مرجعية دينية تحت عنوان: «مبادرة علماء العالم الاسامي إلى تبني السلم والاعتدال »، وأسفر المؤتم- الذي شارك فيه علماء ومفكرون من 32 دولة- عن تشكيل وفد يهدف إلى وقف حالة الصراع الحضاري الداخلي الذي يجري في البلدان الإسامية وإحال السلم، والقيام بمبادرات استباقية لمواجهة الصراعات الدينية والحيلولة دون وقوعها تحت تأثير السياسة.

ويمكن ملاحظة التشابه الكبيرة بين ما أعلنه منتدى السلم الأهلي ومجلس حكماء المسلمين في أبوظبي من جهة، وبين مشروع المؤتمر العالمي لرئاسة الشؤون الدينية في تركيا من جهة أخرى. مما يدفع بالتساؤل حول إمكانية القبول بالأزهر كمرجعية دينية لمختلف دول العالم الإسلامي.

وبما أن المجلس قد أطلق على أعضائه صفة «الحكمة »؛ فإنه يجدر تذكيرهم بأنه لا يمكن تحقيق مرجعية شاملة للمسلمين من خلال مجلس منغلق على نفسه يعمل على إقصاء مخالفيه ولا يتمتع بالاستقلالية السياسية في بلد المنشأ أو في موطنه الهجين، بل إن الحكمة تكمن في تبني مشروع إسامي جامع لا يستثني أحداً ولا يتعامل مع التيارات المخالفة بخطاب التهميش والإقصاء.

وإلى أن يتحقق مثل هذا المشروع، لابد  من حث حكماء الأمة على النأي بأنفسهم عن الصراعات السياسية ومتاهات الاستقطاب الإقليمي التي سفكت لأجلها دماء بريئة.إذ ليس ذلك من الحكمة في شيء.

لقراءة الكتاب كاملا ادخل على الرابط التالي:

http://islamaffairs.com/ar/wp-content/uploads/sites/2/2015/03/Islam_Affairs_Book_Arabic.pdf   
=============================

اقرأ أيضا

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

تعليقات الفيسبوك

تعليقات الموقع

اضف تعليق

لا توجد تعليقات على الخبر

أخبار ذات صلة

إستطلاع الرأى

هل تؤيد قرار وزير الأوقاف بمنع صلاة التراويح في رمضان بمكبرات الصوت؟

!

الأكثر قراءة